ماذا بعد قرار المحكمة الدستورية؟
نضال مستمر من أجل مهنة قوية
بغض النظر عن النقاش القانوني والدستوري والسياسي الذي أعقب قرار المحكمة الدستورية، وما أثاره من تساؤلات حول غرابته وتوقيته وعدم انسجامه مع بعض سوابق المحكمة، وبغض النظر أيضا عن الجدل المتعلق بآثاره القانونية، وما إذا كان الأمر يتعلق بتجميد مسار القانون، أو إمكان نشره، أو ضرورة إحالة جديدة تستوفي شروطها الشكلية. وبعيدا عن كل محاولات التوظيف السياسي للقرار، قبولا أو رفضا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يعنينا، نحن المحامين، يظل أبسط وأعمق: ماذا بعد؟

لقد دخلنا هذه المعركة ولم يكن مطلبنا مجرد إسقاط مادة هنا أو تعديل مقتضى هناك، كما لم يكن نضالنا رهينا بما ستنتهي إليه المحكمة الدستورية. ناضلنا من أجل محاماة حرة، مستقلة ومحصنة، ومن أجل ممارسة مهنية تحفظ المكتسبات وتصون كرامة المحامي، وتوفر له الأمن المهني والقانوني الضروري للقيام برسالته، وتحافظ للمحاماة على أدوارها الحقوقية والرمزية والريادية داخل المجتمع. ولهذا تحملنا وضحينا وخضنا معركة مهنية غير مسبوقة في مواجهة حكومة اختارت، في تقديرنا، التضييق على الكثير من المكتسبات والضمانات الحقوقية، ولم تسلم من ذلك مهنة المحاماة باعتبارها في صلب منظومة الدفاع عن الحقوق والحريات.
أما موقفنا المبدئي، فيجب أن يظل واضحا لا لبس فيه، مطلبنا هو سحب مشروع قانون مهنة المحاماة الذي أحيل، بعد استكمال مسطرته التشريعية، على المحكمة الدستورية لمراقبة مطابقته للدستور. وقرار المحكمة، أيا كانت القراءات القانونية التي ستعطى له وأيا كان مآله الإجرائي، لا يغير شيئا من جوهر هذا الموقف ولا من مشروعية مطالبنا. فالخلاف لم يكن يوما مع مجرد عيب دستوري يمكن تصحيحه، وإنما مع تصور كامل للمهنة نرى أنه لا يستجيب للأمن القانوني والمهني المنشود ولا للمكانة التي ينبغي أن تحتلها المحاماة داخل دولة الحق والقانون.
إن المحاماة لا تختزل في مجرد مقاييس المطابقة القانونية والدستورية، على أهميتها، بل تقاس أيضا برمزيتها ورسالتها واستقلالها وحصانتها وقدرتها على حماية الحقوق والحريات. وتلك هي الثوابت التي انطلقت منها معركتنا، وهي نفسها التي ينبغي أن تحدد وجهتها بعد قرار المحكمة الدستورية. لذلك، لا تراجع ولا نكوص. بل مزيد من الالتفاف حول نقبائنا ومؤسساتنا المهنية، ومزيد من الحرص على وحدة الصف، حتى تظل كلمة المحاماة واحدة وقوية.
عاشت مهنة المحاماة حرة مستقلة
