السؤال الحقيقي — الحلقة 15
كتقرا خبراً كينتقد مسؤولاً، كتلقى اللي كيقول: «صحفي شجاع». وكتلقى اللي كيرد: «غير ما عطاوهش الصوبري ديالو». كتقرا مادة كتمدح مشروعاً، كتسمع: «خدمة مزيونة كتستاهل التشجيع»، ومن الجهة الأخرى: «شحال خلصوه؟». وبين الشك والتصفيق، المواطن ما بقاش كيسقسي غير واش الخبر صحيح؛ رجع كيسقسي حتى شكون خلّص عليه، وعلاش خرج اليوم، وعلاش أخبار أخرى ما خرجاتش أصلاً.
هذا الشك، سواء كان عندو أساس أو كان ظالماً، يستحق وقفة. لأن الصحافة ملي كتفقد ثقة الناس، ما كيخسرش الصحفي بوحدو. كتخسر المدينة وسيلة باش تعرف شنو واقع فيها، وكتضعف قدرة المواطن على التمييز بين المعلومة والإشهار، وبين النقد وتصفية الحسابات.
النقاش اللي تفتح مؤخراً فتطوان حول الصفة الصحفية، والبطائق، وحدود ممارسة المهنة، رجّع هاد الأسئلة للواجهة. منشورات كتطالب بتنظيم القطاع ومواجهة انتحال الصفة، وردود كتشكك في بعض المدافعين عن المهنة، واتهامات كتتنقل بين الصفحات. لكن وسط هاد السجال، خاصنا نوقفو عند سؤال ما يمكنش نهربو منو: واش حماية الصحافة كتكتمل بمعرفة شكون عندو البطاقة، ولا خاصنا نعرفو كذلك كيفاش كيخدم، وشكون كيموّلو، وكيفاش كيتحاسب؟
تنظيم المهنة مطلب مفهوم. المواطن من حقو يعرف شكون كيهضر معاه، وباسم أي مؤسسة، وبأي مسؤولية. والناس اللي اختارو الصحافة وتكوّنو فيها وتحملو التزاماتها، من حقهم يرفضو استعمال اسمها للتضليل. لكن البطاقة المهنية، مهما كانت أهميتها في إثبات الصفة، ما كتجاوبش بوحدها على سؤال النزاهة.
البطاقة ما كتتحققش من الخبر عوض صاحبها، وما كتسمعش للطرف الآخر، وما كتكتبش التصحيح ملي كيوقع الخطأ. هادي مسؤولية يومية كتبان في العمل المنشور. الاعتراف المهني ضروري في مجاله، لكن الثقة كتتبنى بالممارسة، وما كتتعطاش مرة وحدة وتبقى صالحة إلى الأبد.
والصحفي اللي كيسائل المنتخب على قراراتو، والمسؤول على تدبيرو، خاصو يقبل حتى هو السؤال على خدمتو. ماشي كل نقد للصحافة استهداف ليها، وماشي كل اتهام لصحفي حقيقة. بين هاد الجوج كاينة ضرورة الدليل، والإنصاف، والحق في الرد. المعيار اللي كنطالبو به الآخرين خاصو يبقى صالحاً ملي كيجي الدور علينا.
وفي المقابل، الدفاع عن المهنة ما كيحتاجش احتقار المهن الأخرى. شكون قال إن إنساناً كان نادلاً أو حرفياً أو عاطلاً ما يقدرش يتعلم ويكتسب الكفاءة ويسلك طريقاً مهنياً جديداً؟ اللي خاص يتناقش هو التكوين، وجودة العمل، واستيفاء الشروط، واحترام الناس. أما المهنة السابقة أو الوضع الاجتماعي، فماشي حجة كافية باش نحكمو على أهلية أي واحد.
الفقر ماشي عيب مهني. وحتى اليسر ماشي دليل إدانة.
وهنا كنقربو للسؤال الحساس: الفلوس، من المشروع نسائلو اقتصاد الصحافة، خصوصاً ملي كيتطرح النقاش حول صعوبة تمويلها واستمرارها. ولكن ما نقدروش نقفزو من مظهر شخص أو السيارة اللي كيركبها إلى الحكم عليه بالابتزاز. ممكن تكون عندو موارد أخرى، وممكن تكون المؤسسة عندها مداخيل ما كنعرفوهاش. معرفة دعم الدولة، وحدها، ما كتعنيش أننا عارفين الحسابات كاملة.
السؤال الجدي هو: واش مصادر تمويل المنبر واضحة؟ واش العلاقات التجارية كتأثر على اختيارات التحرير؟ واش القارئ كيعرف أنه قدّام مادة إشهارية؟ وواش المؤسسة كتقدر تنشر خبراً موثقاً يضر بصورة جهة كتعلن عندها؟
الصحافة خدمة كتحتاج مصاريف. التنقل، والتصوير، والتحرير، والتحقق، والتجهيزات، والأجور، كلها عندها كلفة. ما يمكنش نطلبو عملاً مهنياً ومستقلاً، ونعتابرو كل محاولة مشروعة لتمويله شبهة. الإشهار المعلن عنه خدمة تجارية، والاشتراك مقابل محتوى جيد اختيار مشروع، والدعم يطرح أسئلة معاييره وشفافيته وأثره.
لكن الأداء مقابل مساحة إعلانية واضحة مختلف عن الأداء مقابل دفن معلومة، أو وقف حملة، أو الحصول على حصانة من النقد. هنا كيتحدد معنى عنوان هاد الحلقة: واش كنبيعو الخبر ولا السكوت؟
ماشي كل خبر سلبي ابتزازاً، وماشي كل مادة إيجابية مدفوعة. ومجرد تضرر مسؤول أو صاحب مشروع من خبر ما كيبرهنش أن الصحفي عندو غرض خفي. أحياناً تكون المعلومة مزعجة لأنها صحيحة. وفي الاتجاه الآخر، وجود واقعة صحيحة ما كيبررش استعمالها للضغط من أجل منفعة.
لهذا، أي اتهام بالابتزاز خاصو يتبنى على وقائع قابلة للإثبات. نشر التهمة وتكرارها ما كيحوّلهاش لحقيقة. والدفاع عن الصحافة كيقتضي حماية الصحفي من الاتهام المجاني، مثلما كيقتضي رفض حماية أي تجاوز ثبت عليه. المهنة ما كتتقواش بالتستر، وما كتتنقاش بالتشهير.
كاين كذلك طرف آخر خاصو يدخل لهاد النقاش: المعلن والمسؤول وصاحب المصلحة. واش كيقبل يمول إعلاناً واضحاً ويبقى معرضاً للنقد؟ ولا كيتعامل مع الإشهار باعتباره ضمانة باش ما يتذكرش الاسم ديالو في خبر مزعج؟ الاستقلالية كتتعرض للاختبار ملي كتتعارض المعلومة مع مصلحة الممول، وملي كيرجع استمرار مورد مالي مرتبطاً بلطف التغطية.
ونفس الوضوح خاصو يشمل المال العمومي. حين يستفيد منبر من دعم أو إشهار ممول من أموال المواطنين، فمن المشروع السؤال عن معايير الاستفادة، والخدمة المقدمة، وأثر التمويل على جودة الصحافة وظروف العاملين فيها. المواطن من حقو يفهم شنو كيتدعم باسمو، وشنو كيربح من هاد الدعم.
لكن ما يمكنش نهضرو على أخلاقيات المهنة ونخليو الناس اللي كيخدمو فيها خارج الصورة. المصور اللي كيخرج للميدان، والمحرر اللي كيتابع ويتحقق، والعامل اللي كيسهر على إخراج المادة، حقوقهم جزء من مصداقية المؤسسة.
أي خطاب عن حماية الصحافة خاصو يجاوب حتى على هاد السؤال: واش اللي كيخدمو فيها عندهم أجور واضحة، وعلاقات عمل منصفة، وحماية اجتماعية؟ وكيفاش نطالبو صحفياً بالاستقلالية ونخليوه معلقاً، ما عارفش واش غادي يتخلص ولا لا؟
الهشاشة ما كتمنح حتى واحد مبرراً لاستغلال الناس. لكنها كتفرض مساءلة نموذج مؤسسة كتطلب المهنية من العامل، وما كتضمنش ليه شروطها. المؤسسة اللي كتطالب الآخرين بالشفافية خاصها تمارسها مع العاملين ديالها كذلك.
ثم نرجعو لتطوان، وللمواطن اللي كيتفرج في هاد النقاش كامل. شنو ربح هو؟ واش لقى جواباً على مشروع تأخر؟ واش فهم كيفاش تصرفت ميزانية؟ واش توصّل بمعلومة دقيقة على خدمة عمومية؟ واش الصحافة رجعات لملف سبق فتحاتو وتابعت شنو تبدّل فيه؟
من حقو ينتظر أكثر من صور الأنشطة وتصريحات المناسبات. ومن حقو كذلك يشوف المشاريع الناجحة والأعمال اللي كتستاهل التنويه. الجودة كتبان في القدرة على المدح حين يستحق الأمر، والنقد حين تفرضه الوقائع، والتصحيح حين يظهر الخطأ، بنفس المعايير ونفس المسافة.
وهاد الأسئلة كتخصنا حتى حنا في راديو تطوان. نشر حلقة كتسائل الصحافة ما كيعطيناش موقعاً فوقها. القارئ من حقو يسائلنا على مصادرنا، وعلى اختياراتنا، وعلى الفصل بين الإعلان والتحرير، وعلى استعدادنا نصححو أخطاءنا. ما عندنا حتى معنى نطلبو المحاسبة للآخرين ونضيقو بها ملي كتقرب لينا.
حماية الصحافة كتحتاج قواعد واضحة للولوج والممارسة، وحقوقاً للعاملين، وتمويلاً يمكن فهمه، ومحاسبة تقوم على الدليل. وكتحتاج أيضاً صحفيين يقبلو أن الميكروفون اللي كيوجهوه للناس يمكن يتوجه ليهم، بلا ما يعتبروا السؤال إهانة.
أما المواطن، فما خاصوش يكون مضطراً يختار بين تصديق كل من حمل ميكروفوناً واتهام الجميع. من حقو يلقى عملاً يقدر يثق فيه، ويعرف كيفاش يعترض عليه، ويلقى تصحيحاً حين يثبت الخطأ.
ويبقى السؤال الحقيقي: ملي شي جهة كتخلّص منبراً إعلامياً، واش كتشتري مساحة باش توصل رسالتها… ولا كتشتري الحق باش ما يسقسيها حتى واحد؟


