مهرجان أصوات نسائية بتطوان.. حين تخفت الأضواء وتعلو أسئلة المال العام
يعود مهرجان أصوات نسائية إلى مدينة تطوان في دورته الرابعة عشرة، الممتدة من 12 إلى 15 غشت 2026، في سياق مختلف تماماً عن السنوات الأولى لانطلاق هذه التظاهرة التي كانت تحظى بحضور لافت داخل المشهد الثقافي والفني المحلي والوطني، دورة جديدة تنظم تحت شعار «سيدات البحر الأبيض المتوسط، ذوات ثقافة وتقاليد عريقة»، وتقترح سهرتين مجانيتين بمشاركة أسماء لمنور، وأزوكار مورينو، وكريمة غيث، وشيماء عمران، إلى جانب مجموعة ارحيمو البقالي للحضرة الشفشاونية.
وطرح عدد من المتابعين سؤالا بدأ يفرض نفسه بقوة ليس حول تنظيم المهرجان من عدمه، ولا حول حق تطوان في احتضان التظاهرات الفنية، وإنما حول مدى قدرة هذه الدورة على استعادة البريق الذي رافق المهرجان خلال سنواته الأولى، وحول القيمة الفنية والثقافية التي أصبحت تقدمها هذه التظاهرة مقارنة بحجمها وتاريخها والموارد التي تعبأ لتنظيمها.
الانتقادات لا تستهدف الفنانين المشاركين باعتبارهم مسؤولين عن اختيارات البرمجة، كما لا تعني التقليل من القيمة الفنية لأي اسم، وإنما تتعلق أساساً بالسؤال عن قدرة الأسماء والبرمجة الحالية على صناعة حدث فني يوازي تطلعات جمهور تطوان، ويجعل من المهرجان موعداً وطنياً ومتوسطياً بارزاً، بدل أن يتحول إلى مجرد محطة صيفية أخرى ضمن عشرات السهرات والمهرجانات التي تعرفها المنطقة.
وتزداد مشروعية هذا النقاش عندما نضع المهرجان في سياقه المحلي، فتطوان والمنطقة المحيطة بها تعيش خلال هذه الفترة على وقع مجموعة من التحولات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، كان آخرها الأحداث المرتبطة بمحاولات العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، وما رافقها من نقاش واسع حول أوضاع الشباب والهشاشة والبطالة والهجرة وآفاق المستقبل.
ولا يعني استحضار هذه الأحداث أن تتحول المدينة إلى فضاء خالٍ من الثقافة والفن، بل إن العكس هو الصحيح؛ فالفن والثقافة يمكن أن يكونا جزءاً من معالجة الأزمات الاجتماعية وتعزيز الأمل والانتماء. لكن وجود هذه التحديات يجعل النقاش حول الأولويات، وحول طبيعة المشاريع الثقافية التي يتم تمويلها، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وحين يتعلق الأمر بالمال العام، يصبح من الطبيعي أن يطرح المواطن أسئلة حول حجم الدعم العمومي، ومصادر التمويل، وأوجه صرف الاعتمادات، ومدى تحقيق المردودية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية المنتظرة.
وكانت اتفاقية شراكة بين جماعة تطوان وجمعية أصوات نسائية قد أثارت سابقاً نقاشاً واسعاً، بعدما تم الإعلان عن دعم مالي قدره 200 مليون سنتيم سنوياً لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. ومهما كان الإطار القانوني لهذا الدعم، فإن صرف المال العمومي على أي تظاهرة يظل موضوعاً مشروعاً للمساءلة والنقاش العمومي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمبالغ مهمة يفترض أن تنعكس نتائجها على المدينة وساكنتها.
السؤال هنا ليس: لماذا ندعم المهرجانات؟ وإنما: ماذا تحقق هذه المهرجانات مقابل الأموال التي تصرف عليها؟
هل يتم قياس أثرها على الاقتصاد المحلي؟ كم عدد الفنادق والمطاعم والمقاهي والمحلات التجارية التي تستفيد منها؟ ما حجم الإقبال الذي تستقطبه من خارج تطوان؟ هل تساهم في تسويق المدينة كوجهة ثقافية متوسطية؟ وهل تمنح الفنانين والطاقات المحلية فرصاً حقيقية للظهور والتطور؟ وهل توجد تقارير مالية وبيانات واضحة تسمح للرأي العام بمعرفة حجم الإنفاق ومردوديته؟
هذه ليست أسئلة عدائية تجاه مهرجان أصوات نسائية، بل أسئلة طبيعية تفرضها الحكامة الجيدة، خصوصاً عندما يكون جزء من تمويل التظاهرة مرتبطاً بالمال العام.
المفارقة أن مهرجاناً يحمل اسم «أصوات نسائية»، وراكم 14 دورة، كان يفترض أن يكون اليوم أكثر قدرة على صناعة الحدث، وأكثر جرأة في تقديم أسماء فنية وازنة، وأكثر ارتباطاً بالمدينة وقضاياها، وأكثر قدرة على خلق إشعاع يتجاوز المنصة والسهرات المجانية.
أما الاكتفاء ببرمجة فنية عادية في مدينة أصبحت تعرف خلال الصيف عشرات الحفلات والمهرجانات، فإنه يجعل السؤال مشروعاً حول ما الذي يميز «أصوات نسائية» عن غيره، وما القيمة المضافة التي يقدمها اليوم.
تطوان لا تحتاج فقط إلى مهرجانات تضيء منصاتها لعدة ليالٍ، وإنما تحتاج إلى مشاريع ثقافية قادرة على ترك أثر حقيقي ومستدام. تحتاج إلى تظاهرات تستثمر في المواهب المحلية، وتربط الثقافة بالسياحة والاقتصاد، وتقدم صورة حديثة عن المدينة، وتفتح المجال أمام الشباب، وتستثمر في التراث التطواني والمتوسطي، وتخلق إشعاعاً لا ينتهي بمجرد إطفاء الأضواء.
وإذا كان مهرجان أصوات نسائية قد نجح في مرحلة سابقة في فرض نفسه كموعد بارز، فإن الحفاظ على هذا الموقع يتطلب اليوم أكثر من الاستمرار في تنظيم دورة جديدة كل صيف. المطلوب هو التجديد، والجرأة، والابتكار، والشفافية، وربط الإنفاق العمومي بنتائج قابلة للقياس.
أما القول إن كل انتقاد للمهرجان هو انتقاد للفن أو للثقافة، فهو اختزال غير منصف للنقاش. الثقافة ملك للمدينة وساكنتها، والمال العام ملك للمواطنين، ومن حق هؤلاء أن يسألوا عن كيفية إنفاقه، دون أن يعني ذلك اتهاماً للمنظمين أو التشكيك في نواياهم.
«أصوات نسائية» أمام فرصة حقيقية لإعادة التفكير في النموذج الذي يقدمه، واستعادة المكانة التي صنعها خلال سنواته الأولى. أما استمرار المهرجان بالشكل نفسه، وسط سياق اجتماعي واقتصادي متغير وبرمجة يرى البعض أنها لم تعد تصنع الحدث نفسه، فقد يجعل الأضواء حاضرة فوق المنصة، بينما يتواصل السؤال خارجها:
هل ما زال مهرجان أصوات نسائية يصنع الحدث في تطوان، أم أن الحدث أصبح هو السؤال حول جدوى ما ينفق عليه؟
