«تطوان ما فيها والو».. هل فعلاً لا تملك المدينة شيئاً؟

شارك هذا على :

«لا معامل، لا مصانع، لا بيع ولا شراء، لا رواج، لا خدمة، لا رياضة، لا ملعب جديد… غير الزواق والسياحة».

عبارات نسمعها كثيراً كلما فتح النقاش حول واقع تطوان ومستقبلها. وفي السنوات الأخيرة أصبحت عبارة «تطوان ما فيها والو» تختصر لدى البعض شعوراً بالإحباط من واقع التشغيل والاستثمار وبطء عدد من المشاريع.

ولا يمكن التعامل مع هذا الشعور بالاستخفاف.

فتطوان بالفعل تحتاج إلى مزيد من فرص الشغل، وإلى استثمارات منتجة، وإلى اقتصاد أقل ارتباطاً بالموسم الصيفي، وإلى بنية رياضية تليق بتاريخ المدينة وشبابها، وإلى مشاريع تتحول من الوعود والتصاميم إلى واقع يلمسه المواطن.

لكن هل يعني ذلك أن تطوان فعلاً «ما فيها والو»؟

ربما السؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس: ماذا يوجد في تطوان؟

بل:

ماذا فعلنا بكل ما يوجد في تطوان؟

مدينة في موقع يصعب تكراره

تطوان توجد في قلب مجال جغرافي استثنائي في شمال المغرب. فمن مركز المدينة يمكن الوصول خلال مسافات قصيرة إلى مرتيل وكابونيغرو والمضيق والفنيدق، وفي الاتجاه الآخر إلى واد لو، بينما تقع سبتة على مقربة منها، ويربطها المحور الغربي بطنجة وبواحد من أهم الأقطاب الصناعية واللوجستيكية في المملكة.

البحر الأبيض المتوسط أمامها، والجبال خلفها، والشريط الساحلي يمتد على جانبيها، وطنجة ليست بعيدة، وأوروبا جغرافياً على مرمى البصر.

هذه ليست مجرد امتيازات جغرافية.

إنها أصول اقتصادية.

ولهذا فالسؤال ليس هل تتمتع تطوان بموقع استراتيجي، وإنما: هل استثمرت هذا الموقع بالقدر الكافي؟

«لا مصانع»؟ تطوان ليست طنجة… ولكنها ليست بلا صناعة

من أكثر الانتقادات تكراراً أن تطوان لا تتوفر على قاعدة صناعية.

ومن الضروري هنا الابتعاد عن المبالغة في الاتجاهين.

تطوان ليست قطباً صناعياً بحجم طنجة، ولم تستفد من التحول الصناعي الكبير الذي عرفته هذه الأخيرة بالمستوى نفسه. وهذا واحد من الملفات التي تستحق النقاش.

لكن القول إن المجال التطواني خالٍ من الصناعة ليس دقيقاً أيضاً.

هناك مناطق للأنشطة الاقتصادية والصناعية، ومن بينها Tetouan Park، المنطقة الصناعية واللوجستيكية التي تبلغ مساحتها الإجمالية حوالي 157 هكتاراً، والموجهة لاستقبال الأنشطة الصناعية واللوجستيكية وخدمة سوق شمال المملكة.

لكن إنشاء منطقة صناعية لا يشكل إنجازاً في حد ذاته إذا لم ينعكس على حياة السكان.

المقياس الحقيقي هو: كم مقاولة استقطبنا؟ كم استثماراً أنجز؟ كم منصب شغل خلق؟ وما القيمة المضافة التي بقيت داخل المنطقة؟

وهنا يصبح جزء من الانتقاد الموجه إلى تطوان مشروعاً.

فالمدينة تحتاج إلى صناعة أكبر، واستثمارات خاصة أكثر، ومقاولات توفر وظائف مستقرة، واقتصاد قادر على الاشتغال طوال السنة.

«غير السياحة»؟ السياحة اقتصاد وليست عيباً

من أغرب العبارات التي تتكرر أحياناً وصف تطوان بأنها مدينة «ديال السياحة والزواق فقط».

لكن منذ متى أصبحت السياحة نقطة ضعف؟

مدن ودول كاملة بنت جزءاً مهماً من اقتصادها على السياحة.

المشكل بالنسبة لتطوان ليس وجود السياحة، وإنما عدم استغلال كل إمكانياتها السياحية، وموسمية جزء مهم من النشاط.

والأهم أن المجال السياحي لتطوان أكبر بكثير من شاطئ أو منتجع واحد.

من واد لو إلى مرتيل وكابونيغرو والمضيق والفنيدق

في اتجاه الجنوب الشرقي توجد واد لو وشاطئها المتوسطي، والطريق الساحلية التي تجمع البحر والجبل والقرى والمناظر الطبيعية.

وفي الاتجاه الآخر نجد مرتيل، ثم كابونيغرو، والمضيق، وصولاً إلى الفنيدق.

نحن إذن أمام مجال ساحلي متنوع تحيط به مدينة تاريخية ومجال جبلي وثقافة محلية ومطبخ وتراث وصناعة تقليدية.

السؤال الذي ينبغي طرحه هو:

لماذا ينتعش جزء كبير من هذا الاقتصاد في يوليوز وغشت، ثم يفقد الكثير من زخمه بقية السنة؟

التحدي هو الانتقال من «موسم الصيف» إلى اقتصاد سياحي لمدة 12 شهراً، من خلال السياحة الثقافية والطبيعية والقروية والرياضية، والمؤتمرات والتظاهرات والفنون والمطبخ المحلي وتجارب الصناعة التقليدية.

وتطوان ليست شواطئ فقط

من يختزل تطوان في شواطئها يتجاهل واحداً من أكبر الأصول التي تملكها المدينة: تاريخها.

المدينة العتيقة لتطوان مدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ سنة 1997، وتعتبر نموذجاً متميزاً لمدينة مغربية تأثرت بقوة بالحضارة الأندلسية بعد سقوط الأندلس.

تطوان لا تحتاج إلى اختراع قصة تسويقية لنفسها.

القصة موجودة أصلاً في المدينة العتيقة، وأبوابها، وأحيائها، وأسواقها، وعمارتها، وموسيقاها، ومطبخها، ومدارسها الفنية، وعلاقتها التاريخية بالأندلس والبحر الأبيض المتوسط.

التحدي، مرة أخرى، هو تحويل هذا الرصيد إلى قيمة اقتصادية تحافظ عليه وتخلق حوله فرصاً جديدة.

الصناعة التقليدية.. «الزواق» الذي يشغّل الناس

وإذا كان البعض يستعمل كلمة «الزواق» للتقليل من قيمة ما تملكه تطوان، فربما الصناعة التقليدية هي أفضل مثال على أن «الزواق» نفسه يمكن أن يكون اقتصاداً.

تطوان مدينة عريقة في الحرف والفنون التقليدية، من الزليج إلى التطريز والنسيج والخشب والحديد وغيرها من الحرف.

وقد انضمت تطوان سنة 2017 إلى شبكة اليونسكو للمدن الإبداعية في مجال الحرف والفنون الشعبية.

وتشير اليونسكو في تعريفها بالمدينة إلى وجود حوالي 6 آلاف وحدة حرفية، وإلى التحاق أكثر من 150 شاباً حرفياً سنوياً بسوق العمل المرتبط بهذا المجال.

هذه ليست أرقام «زواق».

إنها نشاط اقتصادي ومعرفة متوارثة ومهن وأسر تعيش من القطاع.

لكن هنا أيضاً ينبغي أن نطمح إلى أكثر.

لماذا لا تصبح عبارة «صنع في تطوان» علامة معروفة؟

لماذا لا نربط الحرف التقليدية أكثر بالتصميم المعاصر؟

لماذا لا نساعد الحرفيين على الوصول إلى التجارة الإلكترونية والأسواق الدولية؟

ولماذا لا تتحول زيارة ورشات الحرفيين نفسها إلى جزء من التجربة السياحية للمدينة؟

الصناعة التقليدية لا ينبغي أن تبقى مجرد شيء نعرضه في المناسبات.

يمكن أن تصبح منتجاً، وعلامة تجارية، وصادرات، وسياحة، وفرص شغل.

«لا خدمة»؟ هنا توجد المشكلة الحقيقية

إذا كانت هناك نقطة تستحق أن نتوقف عندها بجدية، فهي التشغيل.

لأن المواطن لا يعيش بالمؤهلات النظرية للمدينة.

الشاب يريد وظيفة.

والخريج يريد فرصة.

وصاحب المشروع يريد زبناء وسوقاً.

والأسرة تريد دخلاً مستقراً.

لهذا لا يكفي أن نقول إن تطوان تملك البحر والتاريخ والسياحة والجامعة والصناعة التقليدية.

إذا لم تتحول هذه العناصر إلى فرص اقتصادية يشعر بها السكان، فمن الطبيعي أن يظهر الإحباط.

وهنا بالتحديد يجب أن ينتقل النقاش من الدفاع العاطفي عن المدينة إلى سؤال اقتصادي واضح:

ما القطاعات القادرة على خلق آلاف فرص الشغل الجديدة في تطوان ونواحيها خلال السنوات المقبلة؟

عندنا جامعة.. ولكن أين يذهب خريجوها؟

تطوان أيضاً مدينة جامعية.

فهي تحتضن مقر جامعة عبد المالك السعدي وعدداً من المؤسسات الجامعية ومدارس التعليم العالي، بينما تمتد الجامعة بمؤسساتها إلى مدن أخرى بالشمال.

هذا يعني وجود رأسمال بشري مهم: طلبة، مهندسون، باحثون، خريجون وشباب يتقنون اللغات والتكنولوجيا والتخصصات الحديثة.

لكن المفارقة تظهر عندما يتخرج الشاب في تطوان، ثم يصبح أول تفكير له هو:

«فين نمشي باش نخدم؟»

طنجة؟ الرباط؟ الدار البيضاء؟ الخارج؟

المشكل هنا ليس غياب الكفاءات، وإنما قدرة الاقتصاد المحلي على الاحتفاظ بها.

ولهذا تحتاج تطوان إلى ربط أقوى بين الجامعة والمقاولات، وتشجيع ريادة الأعمال والشركات الناشئة والخدمات الرقمية والصناعات الإبداعية ومهن المستقبل.

ليس ضرورياً أن تكون كل الوظائف الجديدة داخل مصنع.

الصحة.. استثمارات جديدة ولكن التحدي هو الخدمة

شهد العرض الصحي في تطوان بدوره استثمارات مهمة، ومن أبرزها المركز الاستشفائي الجهوي للتخصصات، بطاقة استيعابية تبلغ 380 سريراً.

وهي بنية صحية مهمة بالنسبة لتطوان ومحيطها.

لكن، كما هو الحال بالنسبة للصناعة، لا ينبغي قياس الصحة بعدد المباني فقط.

المواطن يقيسها بموعد قريب، وطبيب متوفر، وتجهيز يعمل، واستقبال جيد، وعلاج يستطيع الوصول إليه.

لذلك يمكن الاعتراف بالاستثمار، وفي الوقت نفسه المطالبة بتحسين الخدمة.

لا تناقض بين الأمرين.

«لا رياضة»؟ الذاكرة الرياضية لتطوان تقول شيئاً آخر

أما الرياضة، فهي ربما من المجالات التي يصعب الحديث عنها في تطوان وكأن المدينة بدأت بالأمس.

المغرب أتلتيك تطوان ليس مجرد فريق لكرة القدم، بل جزء من الذاكرة الاجتماعية للمدينة ومن هويتها الرياضية.

عرفت كرة القدم التطوانية فترات تألق، وحققت ألقاباً وطنية، كما عرفت المدينة عبر تاريخها حضوراً في رياضات مختلفة وخرجت رياضيين وأندية وجمعيات.

لكن الدفاع عن التاريخ الرياضي للمدينة لا ينبغي أن يمنعنا من الاعتراف بالمشكل الحالي.

هل البنية الرياضية الموجودة اليوم توازي حجم تطوان وعدد شبابها وتاريخها الرياضي؟

هذا هو السؤال.

فالمدينة تحتاج إلى ملاعب وتجهيزات وقاعات وفضاءات للقرب وتكوين رياضي أفضل.

والرياضة نفسها يمكن أن تتحول إلى قطاع اقتصادي: أكاديميات، وتكوين، وتظاهرات، وبطولات، وسياحة رياضية، وخدمات ومهن مرتبطة بها.

مدينة عندها جمهور وثقافة كروية وشباب بهذا الحجم لا ينبغي أن تنظر إلى الرياضة كمجرد مباراة كل أسبوع.

تطوان ليست حدوداً إدارية فقط

وهنا توجد نقطة مهمة جداً في أي نقاش حول مستقبل المدينة.

عندما نتحدث اقتصادياً عن تطوان، فمن غير المنطقي دائماً حصر التفكير داخل الحدود الإدارية الضيقة للجماعة.

هناك مجال مترابط يعيش سكانه ويتنقلون ويعملون داخله يومياً:

تطوان، مرتيل، المضيق، كابونيغرو، الفنيدق، واد لو والمناطق القروية والجبلية المحيطة.

الزائر قد ينام في المضيق، ويزور المدينة العتيقة في تطوان، ويتناول الغداء في واد لو، ويقضي المساء في مرتيل.

والعامل يمكن أن يسكن في تطوان ويشتغل خارجها، والعكس صحيح.

لذلك فإن التفكير في مستقبل المنطقة ينبغي أن يكون بمنطق مجال اقتصادي متكامل، لا بمجموعة مدن متجاورة تتنافس فيما بينها.

تخيلوا فقط ماذا يوجد في هذا المجال

مدينة عتيقة مصنفة ضمن التراث العالمي.

شريط ساحلي يمتد من واد لو مروراً بمرتيل وكابونيغرو والمضيق وصولاً إلى الفنيدق.

جامعة ومؤسسات للتعليم العالي.

صناعة تقليدية عريقة وآلاف الوحدات الحرفية.

منطقة صناعية ولوجستيكية.

مطار.

تاريخ فني وثقافي.

جمهور وثقافة رياضية.

قرب من سبتة وأوروبا.

وقرب من طنجة وواحد من أكبر الأقطاب الصناعية واللوجستيكية في إفريقيا.

ثم نقول:

«تطوان ما فيها والو»؟

لا.

المشكل ليس هنا.

ولكن… المنتقد عندو الحق في حاجة مهمة

تطوان خاصها أكثر.

تحتاج إلى مصانع واستثمارات منتجة أكثر.

تحتاج إلى وظائف أفضل للشباب.

تحتاج إلى اقتصاد يعمل في يناير كما يعمل في غشت.

تحتاج إلى استغلال أفضل لمطارها.

تحتاج إلى ربط الجامعة بسوق الشغل.

تحتاج إلى تسويق أقوى لصناعتها التقليدية.

تحتاج إلى جعل واد لو ومرتيل والمضيق والفنيدق وباقي الساحل جزءاً من رؤية سياحية متكاملة.

تحتاج إلى بنية رياضية تليق بشبابها وتاريخها.

وتحتاج قبل كل شيء إلى تحويل المشاريع والاستثمارات إلى أثر اقتصادي يشعر به المواطن في حياته اليومية.

إذن، من ينتقد واقع المدينة ليس بالضرورة ضدها.

بالعكس، المطالبة بتطوان أفضل أمر صحي.

المشكل يبدأ عندما نخلط بين قول:

«تطوان لم تستغل كل إمكانياتها»

وقول:

«تطوان ما فيها والو».

العبارتان ليستا الشيء نفسه.

السؤال ليس «شنو عندنا؟»… السؤال «شنو درنا بداكشي اللي عندنا؟»

ربما هذا هو النقاش الذي تحتاجه تطوان اليوم.

لا نريد خطاباً يقول إن كل شيء جميل ولا توجد مشاكل.

ولا نريد في المقابل خطاباً يقنع جيلاً كاملاً بأن مدينته بلا مستقبل.

بين الخطابين توجد حقيقة أكثر تعقيداً:

تطوان تملك مؤهلات كبيرة، لكنها لم تحول بعد كل هذه المؤهلات إلى القيمة الاقتصادية وفرص الشغل التي تستحقها.

لذلك، بدل أن نسأل كل مرة:

«شنو كاين في تطوان؟»

ربما علينا أن نبدأ بالسؤال الأصعب:

كيفاش نستافدو من داكشي اللي كاين؟

كيف نجعل من الصناعة التقليدية صادرات؟

ومن الساحل سياحة لمدة 12 شهراً؟

ومن الجامعة شركات وكفاءات تبقى في المدينة؟

ومن الرياضة قطاعاً يخلق النشاط والفرص؟

ومن الموقع الجغرافي استثمارات؟

ومن التراث اقتصاداً يحافظ عليه بدل أن يستهلكه؟

ومن القرب من طنجة فرصة بدل أن يتحول إلى سبب لهجرة الكفاءات نحوها؟

هنا يوجد النقاش الحقيقي.

لأن تطوان ليست مدينة «ما فيها والو».

تطوان فيها بزاف… ولكن مازال ما خرجناش منها كل ما فيها.

وهذا ربما أكبر تحدٍّ أمام المدينة ونواحيها خلال السنوات المقبلة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.