الحلقة 09 من «تطوان.. السؤال الحقيقي»
كتدوز ليلة كاملة ناعس… وكتفيق فالصباح مدكدك، عيان، راسك ثقيل، وما عندك نفس لا للخدمة لا للخروج لا حتى للهضرة. وتسمعها من واحد آخر بكل تلقائية: «راه الشرقي… هاد الجو كيدكدك بنادم.»
فـ تطوان، هاد الجملة ما محتاجاش شرح كبير. مع بداية شتنبر، ومع أيام من الخريف، كتقدر السما تتلبد، الرطوبة تعلى، الضباب يقرب، والمدينة اللي كانت قبل أسابيع فقط شاعلة بالحركة والصيف والناس، كتبدا تبدل الإيقاع ديالها.
ولكن السؤال الحقيقي هو: واش فعلاً المدينة والشرقي هما اللي كيهبطو لينا المورال… ولا حنا اللي كنطفاو ملي كيسالي الصيف؟
الشرقي… غير ريح ولا إحساس كامل؟
الشرقي جزء معروف من طقس منطقة المضيق. فالجهة المقابلة من المضيق، مصالح الأرصاد بجبل طارق كتصف الرياح الشرقية، أو Levanter، بأنها كتجيب فظروف معينة هواء دافئ ورطب، وكتقدر ترافقها سحب منخفضة وضباب بحري. بمعنى أن داك الإحساس ديال الجو المكتوم، السما المغيمة والرطوبة ماشي اختراع ديال المخيلة.
وزيد عليها أن الضوء نفسه عندو علاقة بإيقاع الجسم. المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية كيشير إلى أن تغيّر طول النهار والتعرض للضوء يمكن عند بعض الناس يأثر على الساعة البيولوجية، النوم، الطاقة والمزاج.
ولكن هنا خاصنا نفرقو بين جوج حوايج: واحد النهار كتكون فيه ثقيل، كسلان أو ناقص المورال، وبين الاكتئاب الموسمي اللي هو حالة طبية عندها أعراض متكررة ومستمرة وكتحتاج تقييماً مختصاً. ماشي أي واحد قال «الشرقي دكدكني» عندو اكتئاب موسمي.
ولكن… واش المشكل فالجو فقط؟
خلينا نرجعو شوية للور.
يوليوز وغشت فـ تطوان والنواحي ماشي غير شهرين سخان. هما إيقاع آخر للحياة كاملة.
الناس فالزنقة. مارتيل عامرة. المضيق عامر. الشواطئ كتعج بالناس. العائلات جاية. مغاربة العالم راجعين. سياح. أعراس. سهرات. مطاعم ومقاهي عامرة. خرجات كتجي بلا تخطيط. وحتى اللي ما عندو والو يدير، كيلقى المدينة نفسها كتجرّو باش يخرج.
ومن بعد كيجي شتنبر.
الناس كيرجعو. المدارس كتحل. العطلة كتسالي. الليل كيبدا يطوال بشوية. الحركة كتنقص. الأماكن اللي كانت كتغلي كتبرد. وحتى الضجيج اللي كنا كنشكيوا منو قبل أسابيع كيمشي.
وفجأة كنقولو: «المورال هبط.»
واش هبط لأن السما تغيمات؟ ممكن يكون الجو عامل من العوامل.
ولكن واش ممكن حتى لأن الصيف مشى وخلا فراغاً من بعدو؟
يمكن ماشي الخريف اللي جا… يمكن الصيف هو اللي مشى
الفرق كبير.
إلا كنت فالصيف كتخرج حيث صحابك خارجين، كتمشى حيث المدينة عامرة، كتسهر حيث الليل حي، كتشوف الناس باستمرار، وكتلقى كل نهار شي حاجة مختلفة… راه الصيف كان كيعطيك برنامجاً جاهزاً بلا ما تحس.
منين كيسالي، كيبقى السؤال: شنو عندك أنت؟
رياضة؟ مشروع شخصي؟ قراية؟ نشاط أسبوعي؟ ناس كتلتاقى بهم بانتظام؟ هواية؟ هدف خدام عليه؟ برنامج خارج الخدمة والدار والهاتف؟
ولا خاص المدينة تكون شاعلة باش حتى نتا تشعل؟
وهنا ربما كنلقاو واحد الجزء من الجواب اللي ما عندو علاقة لا بالضغط الجوي لا بالرطوبة: بزاف منا عايشين بإيقاع المدينة، ماشي بإيقاع ديالنا.
واش حنا حتى حنا موسميين؟
كنهضرو بزاف على الاقتصاد الموسمي. على المطاعم اللي كتخدم مزيان فالصيف. على الكراء. على السياحة. على المحلات اللي كتشوف الحركة الحقيقية فشهرين أو ثلاثة.
ولكن يمكن حتى الإنسان التطواني ولى موسمي شوية.
فالصيف: نخرج.
فالشتا: نقلس.
فالشمس: عندي الطاقة.
فالغيوم: ما عندي نفس لوالو.
إلا جاو الناس: المدينة زوينة.
إلا مشاو: «تطوان ما فيها والو».
ولكن واش خاص المزاج ديالنا يبقى مربوطاً لهاد الدرجة بالطقس وبعدد الناس فالزنقة؟
مدينة كتعيش الصيف… وكتستنى الصيف الجاي؟
وهنا السؤال كيكبر أكثر من الفرد.
واش تطوان عندها فعلاً حياة ديال أربعة فصول؟
منين يسالي البحر والسهر والصيف، شنو كيبقى للناس؟ شحال عندنا من عادات جماعية كتخلي الخريف والشتا عندهم طعم خاص؟ شحال من واحد كيتسنى نشاطاً ثقافياً، رياضياً، نادياً، لقاءً أسبوعياً، خرجة جبلية، سينما، قراءة، تكويناً أو حتى روتيناً عائلياً؟
يمكن المشكل ماشي أن الخريف طويل.
يمكن المشكل أن حياتنا خارج الصيف قصيرة.
ويمكن لهذا السبب أول أسبوعين ديال الجو المغيم كيبانو بحال إعلان رسمي: «الصيف سالا… رجعنا للروتين.»
واش الحل نكونو بلا مزاج؟
لا.
ماشي المطلوب نتحولو لآلات، وماشي عيب يتبدل المزاج مع الجو. الإنسان كيتأثر بالضوء، بالنوم، بالحركة، بالناس وبالمحيط اللي عايش فيه.
ولكن الفرق هو: واش نخلي هاد العوامل تسوق النهار كامل، ولا نخلقو واحد الإيقاع اللي يبقى واقف حتى ملي السما ما عجباتناش؟
نفس وقت النوض تقريباً. شوية حركة. الخروج للضوء فالنهار ملي يكون متاح. نشاط أسبوعي ثابت. موعد مع الناس اللي كنرتاحو معهم. هدف صغير كيتقدم. حاجة كتخلينا نستناو الثلاثاء أو الجمعة ماشي غير يوليوز.
يمكن البرنامج ما كيحيدش الشرقي. ولكن كيخليه طقساً خارج النافذة… ماشي طقساً داخل حياتنا كاملة.
وربما خاصنا حتى نشوفو الوجه الآخر
حيت ماشي كلشي كيتضايق من هاد الفصل.
كاين اللي كيتنفس ملي كيمشيو الزوار. كيعجبو البحر هادئ. كيرتاح فالمدينة وهي خاوية شوية. كيحب الغيوم، القهوة فالشتا، الشتا، المشي بلا زحام، وتطوان ملي كترجع بإيقاع أبطأ.
يعني حتى الجملة ديال «الشرقي كيكتئب» ما نقدروش نعمموها.
يمكن نفس النهار اللي كيدكدك واحد… كيريح واحد آخر.
وهنا كنرجعو للأصل: العلاقة ديالنا مع الفصل ماشي كلها فالسماء. جزء كبير منها فينا، وفي الطريقة اللي بنينا بها حياتنا.
السؤال الحقيقي
إلا كانت الشمس هي اللي خاصها تعطينا الطاقة، والصيف هو اللي خاصو يخرجنا من الدار، والناس خاصهم يعمرو المدينة باش نحسو أنها حية…
شكون اللي كيسير المورال ديالنا: حنا… ولا الفصل؟
ودابا دوركم:
كتبدل ليك النفسية والطاقة ملي كيدخل الشرقي والخريف فـ تطوان؟ وشنو كتحس بالضبط: كسل، نعاس، ضيق، هدوء… ولا بالعكس كتكون هادي هي أحسن أيام السنة عندك؟
ملاحظة: الإحساس المؤقت بالكسل أو انخفاض المزاج مع تبدل الجو ماشي تشخيصاً بالاكتئاب. إلا استمر انخفاض المزاج أو فقدان الطاقة والاهتمام لمدة طويلة وبدأ كيأثر على الحياة اليومية، فالأفضل استشارة مختص صحي.

