تطوان، حاضرة الأدب والعلم: من الذاكرة الأندلسية إلى إشعاع الثقافة المغربية
بقلم: خالد أحمد الزغاري التطواني
ليست تطوان مجرد مدينة تتكئ على جمال موقعها الجغرافي، ولا حاضرة تختزل هويتها في أزقتها العتيقة وأبوابها وأسوارها البيضاء؛ إنها، قبل ذلك وبعده، ذاكرة حضارية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والعلم، وبين الهجرة والاستقرار، وبين الموروث المحلي والروافد الأندلسية والمتوسطية. ومن هنا، فإن الحديث عن تطوان هو حديث عن مدينة جعلت من الثقافة إحدى أبرز علامات شخصيتها التاريخية.
لقد أسهمت الصلات الأندلسية في تشكيل ملامح تطوان العمرانية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما مع استقرار جماعات أندلسية بها في مراحل مختلفة من تاريخها. ولم يكن هذا التأثير مجرد انتقال لعادات أو أنماط معمارية، بل حمل معه تقاليد في التعليم والكتابة والصناعات والفنون، أسهمت في بناء شخصية حضرية متميزة. وهكذا غدت المدينة فضاء تتجاور فيه الذاكرة الأندلسية والخصوصية المغربية، ضمن نسيج حضاري متراكم لا يمكن اختزاله في عنصر واحد.
ولم يكن إشعاع تطوان وليد عمارتها وحدها؛ فقد ارتبط كذلك بما عرفته من حضور للعلماء والفقهاء والأدباء، ومن عناية بالتعليم والتأليف وتداول المعرفة. وكانت المساجد ومجالس الدرس والمؤسسات التعليمية فضاءات لحفظ العلوم الشرعية واللغوية، كما أتاحت الحياة الحضرية مجالا لنمو أشكال متعددة من التعبير الأدبي والفكري.
وإذا كان التاريخ يكتب أحيانا من خلال الوقائع السياسية وتعاقب الدول، فإن تاريخ تطوان الثقافي يكشف وجها آخر من وجوه المدينة: وجه العلماء الذين حفظوا ذاكرتها، والأدباء الذين عبروا عن تحولات مجتمعها، والصحفيين الذين جعلوا من الكلمة وسيلة للتوعية والإصلاح.
وقد احتلت الصحافة مكانة بارزة في النهضة الفكرية التي عرفتها تطوان خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولا سيما في عهد الحماية. فلم تكن الصحف والمجلات مجرد أوعية للأخبار، بل تحولت إلى منابر للنقاش الأدبي والفكري والوطني. وتبرز في هذا السياق مجلة «السلام» وجريدة «الأخبار» المرتبطتان باسم المؤرخ التطواني محمد داود، إلى جانب منابر أخرى أسهمت في تنشيط الحياة الثقافية وتوسيع دائرة الكتابة والنشر.
ومن الأسماء التي لا يستقيم الحديث عن الذاكرة الأدبية المغربية دون استحضارها العلامة عبد الله كنون، صاحب كتاب «النبوغ المغربي في الأدب العربي»، الذي مثل دفاعا علميا عن أصالة الإنتاج الأدبي المغربي ومكانته في الثقافة العربية. وعلى الرغم من أن مسيرته الثقافية ارتبطت بأكثر من مدينة مغربية، فإن تجربته تندرج ضمن حركة فكرية أوسع شارك فيها علماء وأدباء وصحفيون من شمال المغرب، وكانت تطوان إحدى ساحاتها البارزة.
ولعل أهمية هذه المرحلة لا تكمن في كثرة ما صدر من الصحف والمجلات فحسب، بل في الوظيفة التي اضطلعت بها الكتابة نفسها. فقد غدت المقالة وسيلة لعرض الأفكار ومناقشة قضايا المجتمع، وأداة للدفاع عن اللغة العربية والهوية الثقافية، وجسرا يصل بين التراث ومتطلبات العصر. ومن خلال هذا التفاعل، أسهمت تطوان في مسار تشكل الأدب المغربي الحديث، وأثبتت أن الثقافة ليست ترفا على هامش التاريخ، بل قوة فاعلة في صناعته.
غير أن الوفاء لهذا الإرث لا يتحقق بمجرد الاحتفاء بأسماء الماضي أو استعادة أمجاد الأسلاف في المناسبات. فالمدن التي صنعت لنفسها مكانة في تاريخ العلم والأدب مطالبة بأن تجعل من ذاكرتها رصيدا لبناء حاضرها ومستقبلها. وتطوان، بما تختزنه من مخطوطات ووثائق وصحف قديمة ومؤلفات، وبما تتوفر عليه من مؤسسات علمية وثقافية، جديرة بمشروعات متجددة لتحقيق تراثها، وفهرسة خزائنها، وإتاحة مصادر تاريخها للباحثين، وتشجيع الدراسات التي تصل بين ماضيها الثقافي وأسئلة الحاضر.
كما أن صيانة الذاكرة التطوانية تقتضي وصل الأجيال الجديدة بتراث المدينة، لا بوصفه حكاية مكتملة انتهت بانتهاء أصحابها، وإنما باعتباره تجربة إنسانية قابلة للدرس والاستلهام والتطوير. فالتراث الحي هو الذي يجد طريقه إلى المدرسة والجامعة والمكتبة والصحافة، ويتحول من مادة للاعتزاز إلى معرفة منتجة، ومن ذكرى محفوظة إلى مشروع ثقافي متجدد.
ومن هنا، فإن تطوان لا تحتاج إلى استعادة صورتها التاريخية فحسب، بل إلى تجديد الصلة بين تلك الصورة وبين الحياة الثقافية الراهنة. فمكانة المدن لا تقاس بما ورثته من أمجاد وحدها، وإنما كذلك بما تفعله بهذا الموروث، وبقدرتها على أن تجعل منه أساسا للإبداع والحوار وإنتاج المعرفة.
إن تطوان، في نهاية المطاف، أكثر من مشهد أندلسي جميل أو سجل حافل بالأعلام؛ إنها صفحة أصيلة من صفحات التاريخ الثقافي المغربي، وشاهد على قدرة العلم والأدب والصحافة على حفظ هوية المدن وتجديد حضورها. وإذا كانت الأجيال السابقة قد تركت لنا تراثا يستحق الاعتزاز، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحفظه من النسيان، وأن نمنحه حياة جديدة بالبحث والنشر والتعريف، حتى يظل إشعاع تطوان الثقافي حاضرا في ذاكرة المغرب ومستقبله.
مراجع للاستئناس والتوثيق:
- محمد داود، تاريخ تطوان.
- إدريس خليفة، الحياة الأدبية بتطوان في عهد الحماية (1912–1956).
- عبد الله كنون، النبوغ المغربي في الأدب العربي.
- مقالات ودراسات مجلة دعوة الحق حول الإشعاع الفكري والحضاري لمدينة تطوان.


