«جوج دراهم»… صدقة، بقشيش ولا إتاوة؟

إشهار

شارك هذا على :

تطوان.. السؤال الحقيقي | الحلقة 12

السيارة رجعت كتباركي راسها… وعلاش باقي كنخلصو مول الجيلي؟

كتوقف الطوموبيل ديالك فشي زنقة عمومية فتطوان. قبل ما تسكت الموطور، كتلقى واحد لابس «جيلي صفر» أو رابطه في ذراعه، أو ما لابسه أصلا، كيشير ليك بيديه، وكيقول ليك: «آجي، آجي، زيد زيد… صافي، صافي!».

كتخرج تقضي غرضك، وترجع تلقاه كيتسناك. جوج دراهم، ثلاثة، وربما خمسة. ومرات كيكون المبلغ مفروض عليك، ماشي مجرد اقتراح.

كتخلص، وكتكمل طريقك.

من بعد، كتصادف شخص كيمد ليك يدو، وكيطلب منك درهم ولا جوج. كتعطيه، إما لأنك مقتنع أنه محتاج، وإما لأنك ما قدرتيش تقول ليه لا.

وفإشارة ضوئية، تلقى شخص آخر باغي يمسح ليك الزجاج، أو يدير ليك خدمة صغيرة ما طلبتيهاش أصلاً، وينتظر منك المقابل.

ثلاثة مواقف مختلفة، ولكن كتجمعها حاجة وحدة: الفلوس اللي خرجات من جيبك، مقابل شنو خرجات بالضبط؟

واش كانت صدقة لمحتاج؟ بقشيش تقديراً لخدمة؟ ولا مبلغ خلصتيه باش ترتاح من الإلحاح والإحراج، وربما من الخوف على سيارتك؟ المشكل ماشي فجوج دراهم. المشكل فداك الخيط الرفيع اللي كنضيعوه بين التضامن، والأجر المستحق، والمال اللي كيتفرض علينا بلا حق.

خلينا نرجعو للسيارة. راه حتى هي تبدلات، وبسرعة. ما بقيناش كنهدرو غير على مرايا وراديو وكلاكسون. بعض السيارات الحديثة فيها كاميرات كتوري السائق المحيط ديالها، ورادارات وحساسات كتقيس المسافات، وأنظمة كتساعد على الركن أو كتنجز المناورة تحت إشرافه. وبعض الطرازات والتجهيزات كتسمح حتى بمناورات الركن عن بُعد عبر الهاتف.

وزيد عليها أنظمة المراقبة المدمجة فبعض السيارات، والإنذارات والإشعارات اللي يمكن توصل للمالك عبر التطبيق، والتسجيلات اللي تقدر توثق بعض الوقائع. وكاينة كذلك كاميرات المراقبة فبعض الشوارع والواجهات والمحلات، مع ما يطرحو استعمالها من شروط قانونية واعتبارات للخصوصية.

بطبيعة الحال، ماشي كل سيارة فيها هاد الإمكانيات، وماشي الكاميرا أو التطبيق يقدر يمنع السرقة أو يعوض تدخل السلطات. ولكن التطور كيدفعنا لسؤال بسيط: إلى كانت السيارة كتعاونك تركنها، وكتراقب بعض اللي كيدور حداها، شنو بالضبط بقات هي الخدمة اللي كيقدمها مول الجيلي؟

واش عاونك فالمناورة رغم أنك ما طلبتيش؟ واش سهر فعلاً على سلامة السيارة؟ واش كاين التزام واضح ومسؤولية إذا وقع ضرر أو سرقة؟ ولا فقط تواجد فبلاصة عمومية، واعتبر الوقوف فيها سبباً كافياً باش تستحق عليه الأداء؟

ماشي القصد نحكمو على كل واحد لابس جيلي أصفر. كاين اللي خدام بجد، وكاين اللي كيساعد سائقاً محتاجاً للمساعدة، وكاين اللي هاد المدخول القليل هو اللي كيعيل به داراً كاملة. ولكن الاحترام الإنساني لمجهود شخص ما كيمنحوش، بوحدو، الحق يفرض علينا ثمن خدمة ما طلبناهاش.

راه ماشي كل تعب كيخلق قيمة، وماشي كل مجهود كيفرض علينا أجرة. إلا بغينا نعاونو إنساناً على وضعه، من حقنا نتضامنو معاه، ونسميّو ذلك تضامناً. أما إلا سميناه «ثمن الحراسة»، فمن حق المواطن يسول: شنو الخدمة؟ شكون رخص ليها؟ شكون حدد الثمن؟ وشنو الضمانات؟

الزنقة العمومية ماشي ملكية خاصة لأي شخص. وتنظيم الوقوف والسير واستعمال المواقف العمومية عندو مؤسسات وقواعد ومسؤوليات؛ الجماعات عندها اختصاصات فهاد المجال، والسلطات المختصة كتتدخل بحسب صلاحياتها. أداء مقابل الوقوف فموقف منظم ومعلن الشروط حاجة، وفرض مبلغ من طرف شخص نصب راسو مسؤولاً على الرصيف حاجة أخرى.

ولكن حتى المؤسسات ما خاصهاش تخرج من هاد النقاش بلا محاسبة. فين التنظيم الواضح؟ فين اللافتات والتسعيرات، إلا كان الأداء قانونياً؟ فين المراقبة؟ وفين فرص الإدماج اللي تخلي الإنسان اللي كيعتمد على نشاط هش يلقى خدمة منظمة تحميه وتحمي المواطن؟ واش معقول نبقاو نهضرو على المدينة الذكية والرقمنة، بينما أبسط علاقة بين صاحب سيارة و«حارس» كتتحسم بالإحراج أو الخوف أو تفاوض فوق الرصيف؟

إشهار

ندوزو للمشهد الثاني: الإنسان اللي كيمد يدو. هنا ما عندناش الحق نتسرعو فالحكم. يمكن يكون مريضاً، مسناً، عاجزاً، أو شخصاً فقد مصدر رزقه. ويمكن حتى يكون قادراً على العمل، ولكن ما لقى لا باب محلول ولا فرصة حقيقية. ومن المظهر ديالو وحدو ما نقدرش نعرفو قصتو.

ومع ذلك، خاصنا نطرحو السؤال اللي كنتهربو منو: واش كل درهم كنعطيوه، كنعاونو به شخص يخرج من الحاجة، ولا ممكن، فبعض الحالات، كنساهمو فاستمرار الاعتماد على طلب المال من المارة؟ الجواب ماشي واحد بالنسبة للجميع. جوج دراهم تقدر تسد حاجة عاجلة؛ وتقدر كذلك ما تبدل حتى حاجة فالمسار ديال إنسان كيطلب كل نهار.

أما اللي كيمسح الزجاج عند الإشارة بلا ما تسولو، فراه كيزيد يخلط الأوراق: شخص باغي يخدم وما يمدش يدو بلا مقابل، وهذا يستحق التقدير. ولكن واش مبادرته للخدمة كتعني أنك وافقت عليها؟ واش أي واحد عرض عليك مهمة غير مطلوبة خاصك تخلصو؟ من حق الإنسان يعرض خدمة، ومن حق الآخر يقبلها أو يرفضها بلا ضغط.

وهنا كنلقاو راسنا قدام ثلاث وضعيات ما خاصناش نجمعوها كلها فكلمة وحدة: الصدقة كتقوم على الاختيار والإحسان؛ البقشيش كيكون تقديراً اختيارياً لخدمة؛ والإتاوة هي المقابل اللي كيتفرض بلا حق أو تحت الضغط. وحتى جوج دراهم، إلا خرجات خوفاً أو إكراهاً، ما كتوليش صدقة غير حيت المبلغ صغير.

ولكن الجرأة خاصها تمشي حتى لراسنا حنا كمواطنين. شحال من مرة خلصنا غير باش نساليو؟ شحال من مرة قلنا «الله يسهل عليه، غير جوج دراهم»، مع أننا مقتنعين ما كانت حتى خدمة؟ وشحال من مرة عطينا لشخص كيسول فقط لأننا ما قدرناش نتحملو نظرة العتاب أو الإلحاح؟

بهذا السلوك، واش كنبينو الكرم ديالنا، ولا كنهربو من مواجهة مشكلة جماعية؟ ماشي معنى هاد الشي أن اللي تعرض للضغط مسؤول على الابتزاز؛ المسؤولية الأولى كتظل على اللي مارس الضغط وعلى الجهات المعنية بالتنظيم. ولكن التطبيع اليومي مع ممارسات غير واضحة كيقدر يساعدها تستمر، حتى إلا كانت نيتنا حسنة.

تطوان مدينة كنعرفو فيها قيم التكافل، وخص هاد القيم تبقى. والإسلام حضّ على الإحسان وحفظ كرامة السائل: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. ولكن احترام السائل ماشي هو أن نعطي كل طالب مالاً كيفما كانت الظروف، كما أن الامتناع عن العطاء لشخص معين ماشي دليلاً على انعدام الرحمة.

يمكن نتصدقو بفلوس، وبأكل، وبعلاج، وبمساعدة أسرة، وبتمويل تكوين، وبفتح باب عمل. ويمكن نعطيو المساعدة المستعجلة اليوم، ونفكرو غداً فحل يحفظ الكرامة وما يخليش المحتاج يبقى رهين نفس الحاجة. الخير ماشي دائماً شحال خرج من جيبنا؛ الخير حتى شنو تبدّل فحياة اللي تعاون.

أما من جهة الاقتصاد، فمن الخطأ نقولو إن الأموال اللي كتوصل لحارس غير منظم أو لمتسول ما عندها حتى أثر: هاد الناس كيصرفوها على المعيشة، وربما كيعيلو بها أسرهم. ولكن من الخطأ كذلك نعتابرو كل نشاط كيجيب بعض الدراهم خدمةً منتجةً تستحق تتوسع بلا حدود. خاصنا نسولو على القيمة المضافة، والاستقرار، والحقوق، والتكوين، والمستقبل.

واش بغينا الشاب اللي اليوم واقف حد السيارات يبقى غداً وبعد غد فالمكان نفسه، بينما جزء من مهمة توجيه الركن ولى كتقوم به التكنولوجيا؟ ولا بغينا نوفروا ليه فرصة يتعلم مهارة، أو يشتغل فمهنة مطلوبة، أو يقدم خدمة حقيقية ومنظمة، بأجر واضح ومسؤوليات وحقوق؟

وهنا كاينة مفارقة قاسية: كندفعو جوج دراهم بسهولة على نشاط ما طلبناهش، ولكن ربما ما كنساهموش بنفس الحماس فمشروع أو مبادرة تساعد صاحب هاد النشاط ينتقل لعمل أكثر استقراراً. واش كنعاونو المحتاج يوقف على رجليه، ولا كنعطيوه ما يكفي فقط باش نلقاوه غداً فنفس البلاصة؟

ومع ذلك، ما يكفيش نقولو لمول الجيلي «سير خدم»، ولا للمتسول «جمع راسك». سوق الشغل ماشي باب مفتوح للجميع؛ والمرض، والإعاقة، والعمر، وغياب التكوين، والفقر، كلها حواجز حقيقية. لهذا خاص الدولة والجماعة والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية تكون جزءاً من الجواب: تنظيم المواقف، محاربة الابتزاز واستغلال الأطفال، توفير الحماية للمحتاج فعلاً، وفتح مسارات إدماج للناس القادرين على العمل.

الصدقة الفردية ما تقدرش تعوض السياسة الاجتماعية. والمنع بوحدو ما كيخلقش وظيفة. ولكن حتى ترك الأمور كيف ما هي، وتحميل المواطن كلفة هاد الاختلالات فكل زنقة وكل إشارة، ماشي حل.

لهذا ماشي المطلوب نكونو قساة مع الضعفاء، ولا نقطعو يد الخير. المطلوب نفرقو بين إنسان محتاج يستحق الكرامة والمساعدة، وخدمة حقيقية يمكن الأداء عليها باختيار ووضوح، وممارسة كتفرض المال على الناس بلا وجه حق. يمكن نتضامنو ونرفضو الابتزاز فنفس الوقت. ويمكن نحترمو شخصاً كيقلب على رزقو، ونسولو بجرأة واش النشاط اللي كيقدم عندو فعلاً قيمة ومستقبل.

العالم كيتقدم: سيارات كتركن بمساعدة الأنظمة الذكية، كاميرات وحساسات، تطبيقات وتنبيهات، وخدمات كتولي رقمية. أما حنا، فباقي كنناقشو واش نعطيو جوج دراهم لشخص وقف حد سيارة ما طلباتش منو الحراسة، وواش نقدروا نرفضو من غير ما نحسو بالذنب.

تطوان ما محتاجاش توقف فيها الصدقة. محتاجة يتنظم فيها الحق، وتتوسع فيها فرص العمل، وتبقى فيها الرحمة بلا ما تتحول لفوضى.

واش بغينا مدينة فيها ألف واحد كيعطي جوج دراهم كل نهار لإنسان محتاج، ولا مدينة كتقدر توفر لهاد الإنسان فرصة باش ما يبقاش محتاج يطلب هاد الجوج دراهم؟

ماشي كل واحد عطا جوج دراهم حلّ المشكلة، وماشي كل واحد رفض يعطيها فقد الإنسانية.

السؤال الحقيقي ماشي غير: شحال عطينا؟ السؤال هو: شنو بدلنا؟

قد يعجبك ايضا

إشهار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.