التكريم في تطوان: صناعة الوهم الثقافي.. من يستفيد ومن يُقصى؟

شارك هذا على :

لم يعد التكريم في المشهد الثقافي المحلي لحظة استثنائية للاعتراف بالعطاء، بقدر ما أصبح طقساً متكرراً، يكاد يفقد معناه مع كل دورة جديدة، نفس الوجوه تتكرر، نفس القصص تُعاد، ونفس الصور تُلتقط أمام منابر افتراضية، في مشهد يختزل الثقافة في بعدها الشكلي بدل جوهرها الإبداعي.

في الظاهر، تبدو هذه المبادرات احتفاءً بالمبدعين وتثميناً لمساراتهم. لكن عند التمحيص، يتضح أن الأمر في كثير من الأحيان لا يتجاوز تبادلاً رمزياً للمصالح: منظّمون يبحثون عن حضور إعلامي يمنحهم شرعية الوجود، ومكرَّمون يعيدون تدوير صورتهم داخل نفس الدوائر، دون أن يواكب ذلك أي أثر فعلي على مستوى الإشعاع الثقافي أو دعم الفعل الإبداعي.

هذا التكرار لا يطرح فقط سؤال الجدية، بل يمس أيضاً بمصداقية فعل التكريم نفسه. فحين يصبح الاحتفاء محصوراً في دائرة ضيقة من الأسماء، يغيب معيار الاستحقاق، وتتراجع فرص بروز طاقات جديدة تشتغل في الظل، بعيداً عن الأضواء، لكنها تُسهم فعلياً في إغناء المشهد الثقافي.

الأخطر من ذلك، أن هذا النمط يُحوّل التكريم من لحظة اعتراف رمزي ذات قيمة معنوية عالية، إلى ما يشبه “صفقة رمزية” تُدار بمنطق العلاقات والتموقع، لا بمنطق الكفاءة والعطاء. وهنا يفقد التكريم وظيفته الأساسية كآلية للتحفيز والاعتراف، ويتحول إلى مناسبة بروتوكولية تُفرغ الثقافة من بعدها النقدي والإبداعي.

كما أن غياب معايير واضحة وشفافة للاختيار، وعدم إشراك الفاعلين الثقافيين الحقيقيين في تحديد المستحقين، يكرّس هذا الخلل، ويعمّق الفجوة بين المؤسسات الثقافية والمبدعين. في ظل ذلك، يصبح السؤال مشروعاً: من نكرّم؟ ولماذا؟ ولصالح من يُنظم هذا التكريم؟

إن إعادة الاعتبار لفعل التكريم تمر أولاً عبر إعادة تعريفه: من مناسبة احتفالية عابرة، إلى فعل ثقافي مسؤول، قائم على معايير دقيقة، ورؤية واضحة، واستقلالية في القرار. كما تتطلب توسيع دائرة الاعتراف لتشمل أصواتاً جديدة، وتجارب مغمورة تستحق أن تُرى وتُسمع.

فالثقافة لا تُبنى بالصور التذكارية ولا بالخطابات الجاهزة، بل بتراكم حقيقي يُنصف المبدعين ويمنحهم فضاءً عادلاً للتقدير. أما الاستمرار في نفس النهج، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من تآكل المعنى، وتحويل التكريم إلى مجرد واجهة بلا روح.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Exit mobile version