التجمع الوطني للأحرار: حين تتغيّر الواجهة… ويستمر النسق
عصام أوهاب
عدم ترشّح عزيز أخنوش لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار ليس مجرد تفصيل تنظيمي عابر، بل هو معطى سياسي قابل لقراءة أوسع، تتجاوز الحزب إلى منطق اشتغال الحقل الحزبي المغربي في مرحلة دقيقة. فالأحرار، منذ انتخابات 2021، لم يعودوا حزبًا مشاركًا في الحكم، بل حزبًا يقود السلطة التنفيذية، وكل تحوّل في قيادته يكتسي بالضرورة دلالة تتجاوز التنظيم إلى النسق.
أخنوش… وظيفة سياسية أكثر من زعامة حزبية
لم يُقدَّم عزيز أخنوش يومًا كزعيم حزبي بالمعنى الكلاسيكي، ولا كقائد أيديولوجي ذي خطاب تعبوي. حضوره السياسي ارتبط أساسًا بوصفه رجل تدبير وثقة، جاء إلى واجهة العمل الحزبي لإنجاز مهمة محددة: إعادة هيكلة حزب التجمع الوطني للأحرار وتأهيله لقيادة الحكومة في سياق إصلاحات اجتماعية واقتصادية كبرى.
من هذا المنظور، لم تكن رئاسته للحزب نتيجة صعود تنظيمي داخلي، بقدر ما كانت جزءًا من ترتيب سياسي أوسع. وحين تُستنفد وظيفة الواجهة، يُعاد توزيع الأدوار دون ضجيج.
سؤال التوقيت: لماذا يُطرح التغيير الآن؟
السنوات الأخيرة راكمت كلفة سياسية واضحة: ارتفاع في الأسعار، احتقان اجتماعي، إصلاحات غير شعبية، ونقاش عمومي مستمر حول تضارب المصالح. في مثل هذه السياقات، تتحول القيادة الحزبية إلى واجهة امتصاص أكثر منها أداة دفاع.
تغيير الواجهة، في هذه الحالة، لا يعني تغيير التوجهات، بل السعي إلى تخفيف الضغط وإعادة ضبط الصورة استعدادًا للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها انتخابات 2026.
من يقرّر داخل الأحرار؟
يُطرح كثيرًا سؤال من يتحكم فعليًا في القرار داخل حزب التجمع الوطني للأحرار: التنظيم أم الشبكات؟
الواقع يُظهر أن التنظيم، رغم حضوره وانضباطه، لا يشكّل مركز القرار الاستراتيجي. دوره يظل محصورًا في التأطير، والتعبئة، ومنح الشرعية الشكلية للقرارات المتخذة سلفًا.
أما القرار الحقيقي، فيتشكّل داخل شبكة مركّبة من منتخبين ذوي نفوذ ترابي، وفاعلين اقتصاديين، وتحالفات مصالح. الحزب يشتغل هنا كأداة تنسيق أكثر منه فضاء صراع سياسي أو أيديولوجي. لذلك تغيب الصراعات الحادة، وتُدار الخلافات بصمت، وتخرج المؤتمرات بنتائج متوقعة.
من يمكن أن يخلف عزيز أخنوش؟
في حزب كالتجمع الوطني للأحرار، لا يُدار سؤال الخلافة بمنطق التنافس المفتوح، بل بمنطق التوافق الصامت والاستمرارية الوظيفية. لذلك، تُطرح الأسماء باعتبارها واجهات ممكنة داخل نفس النسق، لا باعتبارها زعامات بديلة.
في هذا السياق، يبرز اسم مولاي حفيظ العلمي كأحد الاحتمالات الأكثر انسجامًا مع طبيعة الحزب. الرجل راكم تجربة حكومية وازنة، واشتغل في تقاطع السياسة والاقتصاد والتدبير، دون أن يُقدَّم كفاعل صدامي أو صاحب خطاب تعبوي. قوته تكمن في كونه جزءًا من الجيل الذي رافق إعادة هيكلة الحزب، ويملك شبكة علاقات واسعة، مع قدرة على تمثيل الاستمرارية دون استنساخ صورة أخنوش.
إلى جانب ذلك، يُستحضر اسم مصطفى بايتاس باعتباره خيار الواجهة الهادئة. حضوره كناطق رسمي باسم الحكومة منحه صورة سياسية منضبطة، غير مثيرة للجدل، ما يجعله مناسبًا لمرحلة انتقالية أو لتدبير الصورة، وإن ظل محدود الامتداد انتخابيًا.
كما يُستحضر اسم محمد أوجار في سياق الحديث عن العودة إلى شخصية سياسية ذات تجربة تنظيمية وخطاب سياسي تقليدي. غير أن هذا الخيار يظل محدود الحظوظ، بحكم ابتعاده النسبي عن مراكز القرار الحالية داخل الحزب.
ويبقى السيناريو الأكثر انسجامًا مع طبيعة الأحرار هو اختيار شخصية من الأعيان الجدد: اسم غير صدامي، ذو نفوذ انتخابي ومالي، معروف داخل دوائر الحزب أكثر مما هو معروف إعلاميًا. هنا لا تُقاس القيادة بالكاريزما، بل بالقدرة على التنسيق وضبط التوازنات.
ولا يمكن استبعاد خيار نسائي، في إطار تجديد رمزي مضبوط، يهدف أساسًا إلى تحسين الصورة دون المساس بجوهر النسق.
أخنوش بعد رئاسة الحزب: الغائب الحاضر
حتى بعد مغادرته رئاسة الحزب، يصعب تصور غياب عزيز أخنوش عن مراكز التأثير. سيظل عنصر توازن وضامنًا لوحدة الشبكات، ومرجعًا غير معلن في اللحظات الحساسة. في هذا الحزب، تتغير الواجهات، لكن مركز الثقل يبقى ثابتًا.
سيناريوهات ما قبل انتخابات 2026
أمام التجمع الوطني للأحرار ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أولها، الاستمرارية الهادئة، عبر قيادة جديدة غير صدامية وخطاب أقل حدّة، بهدف تقليص الخسائر والحفاظ على موقع تفاوضي قوي.
ثانيها، تغيير الواجهة وتحميل المرحلة السابقة كلفة التدبير، دون مراجعة جوهر السياسات، في محاولة لامتصاص جزء من الغضب الاجتماعي.
أما السيناريو الثالث، وهو الأضعف، فيقوم على المواجهة المباشرة والدفاع الصريح عن الحصيلة، وهو خيار لا ينسجم مع الطبيعة البراغماتية للحزب.
هل يتكرر سيناريو أحزاب سابقة؟
قد تبدو المقارنة مغرية مع تجارب الاتحاد الاشتراكي أو العدالة والتنمية بعد رئاسة الحكومة، غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن تلك الأحزاب كانت تستند إلى قواعد أيديولوجية تنتظر المعنى والهوية، بينما يستند التجمع الوطني للأحرار إلى شبكات مصالح مرنة وقابلة لإعادة التموضع.
قد يتراجع الحزب انتخابيًا، لكنه نادرًا ما يُقصى من المعادلة.
ختاما يمكن القول أن قرار عزيز أخنوش، لا يُمثّل نهاية مرحلة بقدر ما يعكس انتقالًا هادئًا داخل نفس المنطق. في حزب التجمع الوطني للأحرار، الواجهة تتغير، الخطاب يلين، لكن النسق يستمر. سياسة بلا ضجيج، تُدار في الصمت، وتعرف متى تنسحب خطوة إلى الخلف… لتظل داخل اللعبة.

