أسدل الستار أول أمس (من 23 إلى 30 مارس) على فعاليات مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط في دورة اليوبيل الفضي، دورة حّلت السينما الفلسطينية ضيفا هذا العام.
خمسة وعشرون صفحة في سجل المهرجان، أي ربع قرن من السينما، العطاء، الشغف وخفقات القلب من المفروض أن يقدم لنا منظموها دورة استثنائية تظل محفورة في الذاكرة خاصة من مهرجان لم يولد بالأمس، مهرجان له تاريخ وعراقة.

افتتاح باهت
حفل افتتاح تطوان السينمائي المتوسطي بـ “الدورة الفضية ”كان حفلا باهتا، رغم اللمسة الأنثوية الموسيقية التي أضفاها (الجوق التطواني النسوي)، إذ لم يكن بالقوة المرجوة والمأمولة من مهرجان بلغ من العُمر عتيا (ربع قرن)، غياب ملحوظ للفنانين المغاربة والأجانب عن الإفتتاح طرح العديد من علامات الاستفهام، خاصة في ظل تكريم الفنان المحبوب و النبيه والمشاغب محمد الشوبي، الذي لم يتفوّه بكلمة أثناء وقوفه على المسرح مكتفيا بإلقاء التحية – بلغة الجسد- للجمهور الذي استقبله بترحيب، و مكتفيا أيضا بالورقة الطويلة التي كتبها في حقه الصحفي والشاعر- الغائب أيضا عن الحفل- حميد الجماهري فتولّت مُهمة قراءة الكلمة زوجة المُحتفى به.
مُصالحة مع الكِتاب
من النقاط المهمة التي يجب الوقوف عندها في هذه الدورة، هي مصالحة “تطوان السينمائي” مع الكتاب، فمنذ أزيد من عشرة دورات لم تشهد الأنشطة المبرمجة هذه الفقرة. فقد شهدت مكتبة بيت الحكمة بتطوان، حفل توقيع كتاب “الصورة والمعنى” لمؤلفه الكاتب والمفكر محمد نور الدين أفاية، فكان لقاء أفاية فرصة لرصد الثقافة السينمائية المكتوبة من خلال سؤال الصورة والسينما.
برمجة فيلمية جديرة بالمشاهدة ولكن!
_لقد عوّدنا مهرجان تطوان الدولي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسط على مستوى أفلام جيدة، السينما الأوروبية والعربية المشاركة هنا دائما ما تندرج ضمن إطار ما يسمى بـ”سينما المهرجانات”، أي أنها تلقى ثناء النقاد وتصفيق السينيفيلين.
جعبة تطوان السينمائي الذي يحتفي هذا العام بدورته الفضية، تحمل أفلاما متوسطية تأرجحت بين جيد الصنع وعادي المستوى سواء تعلق الأمر بالأفلام المنافسة على تمودة الذهبية أو خارجها (فرنسا، إيطاليا، اليونان، تركيا وفلسطين..) لكن حين يختار المهرجان – أكرّر الذي عوّدنا على الانتصار للجماليات الفنية- فيلمين مغربيين في غاية الرداءة – بشهادة نقادٍ سينمائيين مغاربة- ( التمرد الأخير، جيلالي فرحاتي، 2018/ والميمات الثلاث، قصة ناقصة، سعد الشرايبي) بحضور أجانب منهم من يكتشف أولّ مرة معنى السينما المغربية فهذا حيف في حق المهرجان وفي حق الضيوف والأهم الجمهور، هذا الأخير الذي يملك ذائقة فنية لا يستهان بها. فلم لا تفسر إدارة المهرجان أسباب هذه الخيارات: الدفاع المستميت عن السينما المغربية حتى لو كانت رديئة؟ أم اختيارات يطغى عليها طعم الصداقة؟ أم أشياء أخرى!
أما أن تتغنى إدارة المهرجان بالعروض الأولى فهذا حقا أمر يثير الاستغراب، فيلم وحيد عُرض لأول مرة عربيا هو “التقارير حول سارة وسليم” الفيلم الفلسطيني المثير للجدل لمخرجه مؤيد عليان، قصة حب مثيرة تجمع بين سيدة إسرايئلية وشاب فلسطيني، إذ حصل الفيلم على 9 جوائز دولية، وضمن المشاركة في أزيد من 20 مهرجان حول العالم؛ إذن هنا يعرض لجرأة المهرجان سياسيا على عرضه وليس لكونه عرضا أولا على صعيد المهرجانات، ما عدا ذلك جُل الأفلام جالت العديد من المهرجانات بل شاهدها الجمهور خارج إطار المهرجانات ووصلت إلينا متأخرة (فيلم الضيف نموذجا)، وهنا يعاب على المهرجان إتاحة العروض الأولى للأفلام.
موسيقي يقود رئاسة تحكيم الأفلام
لا تقاس المهرجانات بحجم الدعم المالي فقط، وبعينة النجوم الحاضرين والأنشطة الموازية، بل بكفاءة لجنة التحكيم أيضا. من الأمور المثيرة للإستغراب أيضا بلجنة مهرجان تطوان السينمائي المتوسطي، اختيار الموسيقي الإيطالي “روبرطو جياكومو بشيوتاو” ليرأس لجنة تحكيم الفيلم الروائي الطويل، صحيح الرجل لديه تاريخ موسيقي حافل بالمقطوعات الموسيقية الخاصة بالأفلام وكذا بالجوائز النفيسة.. لكن هل هذا كاف لقراءة ورئاسة سينما متوسطية شديدة الحساسية بل والحكم عليها؟!
وتضم لجنة التحكيم من المخرجة التركية بيلين إيسمر والمنتجة والمخرجة الإيفوارية سوزان كوامي، والمخرج والمنتج المغربي جمال السويسي والممثلة والمخرجة الفرنسية ميريام ميزييرس.
أما لجنة النقد، التي تحمل اسم الراحل “مصطفى المسناوي”، فيرأسها الجامعي المغربي والخبير السينمائي محمد كلاوي، بعضوية رئيس جمعية نقاد السينما بالمغرب عمر بلخمار، والناقدة والإعلامية المغربية أمينة بركات، والناقد المصري أحمد شوقي، والجامعية التونسية لمياء بلقايد.
بينما يرأس المخرج الجزائري مالك بن اسماعيل لجنة تحكيم الفيلم الوثائقي، وتضم اللجنة في عضويتها كلا من الناقد المغربي مولاي إدريس الجعايدي والمخرج التونسي خالد غوربال والمنتجة الفلسطينية رفيا حسين عريدي والسينمائية الفرنسية ريبيكا دي باس.
إقصاء الصحافة المحلية
إن الإقصاء الممنهج الذي اعتمدته إدارة مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ضد الصحافة المحلية لا يخدم العمل الصحافي المحلي الذي لطالما وقف إلى جانب المهرجان بكل احترافية ومهنية،فعدم وجود أي شعار لأية جريدة بتطوان على ملصق المهرجان، يدلّ على إخراس الأصوات المنتقدة وينم عن فكر إقصائي “ديكتاتوري”!
خفقة قلب
بجانب المسابقتين الرسميتين وبرنامج ضيف الشرف (السينما الفلسطينية) عرض المهرجان أربعة أفلام مهمة أثارت اهتمام النقاد وجمهور السينما في المنطقة المتوسطية والعربية، ويتعلق الأمر بفيلم “رحلة حول غرفة الأمل” للمخرجة الإسبانية سيليا ريكو كلافيينو، و”ورد مسموم” للمصري أحمد فوزي صالح، و”في عينيا” للمخرج التونسي نجيب بلقاضي، وهي أفلام من إنتاج سنة 2018، وفيلم “معركة الجزائر” للمخرج الجزائري مالك بن سماعيل، من إنتاج سنة 2017 تحث مسمى “خفقة وهي فقرة جميلة تنضاف هذا العام لسيما بحضور جمهور سينيفلي يخفق له القلب.
مشهد آخر يخفق له القلب الفنانة الإسبانية “ربييكا ديباس” عضوة لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية، خطفت قلب الجمهور باصطحاب رضيعتها أصغر سينمائية مشاركة في هذا الحدث، ونالت خطوة والدتها في اصطحابها معها فوق الخشبة الإعجاب والتصفيق.
ندوات قيمة وضيوف تداخل “الأجناس”
تعد اللقاءات الفكرية والنقدية من بين النقط القوية في مهرجان تطوان الدولي لسينما البحر الابيض المتوسط، غالبا ما تتمحور هذه اللقاءات حول قضايا متوسطية راهنة، وتحضرها شخصيات مشهود لها بالكفاءة العلمية. ندوتين دوليتين احتضنهما مركز الفن الحديث بتطوان، وتمحورت حول “السينما المتوسطية بصيغة المؤنث ” عرفت مشاركة عدد من المهتمات بعوالم الصناعة السينمائية، ودور المرأة على وجه الخصوص في هذا الميدان الذي هيمن عليه الرجال.
وندوة ” السينما الفلسطينية في مختلف أحوالها ” شارك فيها عدد من الفاعلين السينمائيين ومثقفين، من ضمنهم، المخرج الفلسطيني “مؤيد عليان” والمخرجة والمنتجة “ديما أبو غوش”..
المثير في هذه الندوة كلمة الشاعر والإعلامي ياسين عدنان عن السينما الفلسطينية وتاريخها، في البدء اعتقدنا أن حضور عدنان بالندوة رئاسي، لكننا فوجئننا بشاعرنا الضيف وهو بالمناسبة “سيد الحوار” بالمغرب يقدم ورقة نقدية عن سينما فلسطين فمالذي يربط ضيفنا -الذي نكن له كل تقدير-بالنقد السينمائي؟ وهل لديه مؤلفات ودراسات عن هذا الموضوع؟ خاصة بوجود نقاد من الطراز الرفيع بالندوة. مثل هذه الخيارات المتداخلة الأجناس تجعل من تطوان السينمائي فاقدا للبوصلة.
ختام بارد وجوائز مستحقة
لم يختلف ختام مهرجان تطوان السينمائي المتوسطي (مساء السبت بمسرح سينما إسبانيول بتطوان ) عن طقسه الشديد البرودة، فإدارة المهرجان التي وعدت بقدوم نجوم الصف الأول (كريم عبد العزيز والمحتفى بها نيلي كريم) كي يحتفلوا بدورة المهرجان الفضية تخلفوا عن الموعد.
المخرج والمنتج الإسباني، لويس منيارو المكرم هذه الدورة كان في الموعد، إذ سعد بإلتفاتة المهرجان إليه مسترجعا أهم ذكرياته مع مدينة تطوان.
أما الجوائز التي تغيّب أيضا معظم فائزيها واكتفوا بعبارات شكر للجنة والجمهور عبر السكايب، فكانت حصة الأسد من نصيب الفيلم الإيطالي الطويل “إدمان الأمل”، لمخرجه إدواردو دي أنجيليس، فقد حصد الجائزة الذهبية الكبرى لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط وجائزة لجنة التحكيم الخاصة بالنقد.وكذا جائزة أحسن دور نسائي للممثلة الإيطالية بينا توركو.
وحاز على جائزة أحسن دور رجالي، الممثل الفلسطيني زياد بكري، عن بطولته في فيلم “مفك” للمخرج الفلسطيني بسام جرباوي، وهو الفيلم الذي توج كذلك بجائزة عز الدين مدور للعمل الأول، فيما عادت جائزة أحسن عمل وثائقي للفيلم المصري “تأتون من بعيد”، لمخرجته أمل رمسيس.
دينة البشير